الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

146

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالتأويلات الفاسدة . ويجوز أن يكون التحريف مشتقّا من الحرف وهو الكلمة والكتابة ، فيكون مرادا به تغيير كلمات التوراة وتبديلها بكلمات أخرى لتوافق أهواء أهل الشهوات في تأييد ما هم عليه من فاسد الأعمال . والظاهر أنّ كلا الأمرين قد ارتكبه اليهود في كتابهم . وما ينقل عن ابن عبّاس أنّ التحريف فساد التأويل ولا يعمد قوم على تغيير كتابهم ، ناظر إلى غالب أحوالهم ، فعلى الاحتمال الأول يكون استعمال عَنْ في قوله : عَنْ مَواضِعِهِ مجازا ، ولا مجاوزة ولا مواضع ، وعلى الثاني يكون حقيقة إذ التحريف حينئذ نقل وإزالة . وقوله : وَيَقُولُونَ عطف على يُحَرِّفُونَ ذكر سوء أفعالهم وسوء أقوالهم ، وهي أقوالهم التي يواجهون بها الرسول - عليه الصلاة والسلام - : يقولون سمعنا دعوتك وعصيناك ، وذلك إظهار لتمسّكهم بدينهم ليزول طمع الرسول في إيمانهم ، ولذلك لم يروا في قولهم هذا أذى للرسول فأعقبوه بقولهم له : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ إظهار للتأدب معه . ومعنى اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ أنّهم يقولون للرسول صلى اللّه عليه وسلم عند مراجعته في أمر الإسلام : اسمع منّا ، ويعقّبون ذلك بقولهم : غَيْرَ مُسْمَعٍ يوهمون أنّهم قصدوا الظاهر المتبادر من قولهم : غير مسمع ، أي غير مأمور بأن تسمع ، في معنى قول العرب : ( افعل غير مأمور ) . وقيل معناه : غير مسمع مكروها ، فلعلّ العرب كانوا يقولون : أسمعه بمعنى سبّه . والحاصل أنّ هذه الكلمة كانت معروفة الإطلاق بين العرب في معنى الكرامة والتلطّف . إطلاقا متعارفا ، ولكنّهم لمّا قالوها للرسول أرادوا بها معنى آخر انتحلوه لها من شيء يسمح به تركيبها الوضعي ، أي أن لا يسمع صوتا من متكلّم . لأن يصير أصمّ ، أو أن لا يستجاب دعاؤه . والذي دلّ على أنّهم أرادوا ذلك قوله بعد : وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا - إلى قوله : - اسْمَعْ وَانْظُرْنا فأزال لهم كلمة ( غير مسمع ) . وقصدهم من إيراد كلام ذي وجهين أن يرضوا الرسول والمؤمنين ويرضوا أنفسهم بسوء نيتهم مع الرسول - عليه السلام - ويرضوا قومهم ، فلا يجدوا عليهم حجّة . وقولهم : وَراعِنا أتوا بلفظ ظاهره طلب المراعاة ، أي الرفق ، والمراعاة مفاعلة مستعملة في المبالغة في الرعي على وجه الكناية الشائعة التي ساوت الأصل ، ذلك لأنّ الرعي من لوازمه الرفق بالمرعيّ ، وطلب الخصب له ، ودفع العادية عنه . وهم يريدون ب راعِنا كلمة في العبرانية تدلّ على ما تدلّ عليه كلمة الرعونة في العربية ، وقد روي أنّها كلمة راعونا وأنّ معناها الرعونة فلعلّهم كانوا يأتون بها ، يوهمون أنّهم يعظّمون